فتح العربُ بلادَ الأندلس لنشر الإسلام، وعمّروها أكثر من ثمانية قرونٍ، بدءًا من سنة 92 هـ / 710 إلى سنة 898هـ /1492م. وقد حملوا إليها فيما حملوا معهم بلاغتَهم العربيّةَ ممثّلةً في لغتِها وأدبِها. وفي بيئةِ الأندلس الجميلة، وجد الأدبُ العربيّ ما يستثير الخيالَ ويدغدغُ العواطفَ والوجدانَ، فنما وأزهرَ. واكتسب في مسيرتِه من تعايشِه معها طابعاً جديداً، وسماتٍ خاصة تميّز بها عن أدب المشرقِ. وهذا الكتابُ الذي نقدّمه هنا يمثّل محاضراتٍ في "تاريخ الأدب العربيّ في الأندلس"، كان المؤلفُ قد ألقاها على طلاّب اللّغة العربيّة وآدابها بجامعة بيروت العربيّة، وهدفه عرض صورة موجزة لأدبِ العربِ وبلاغتهم في الأندلس، وتبيان أطوار هذا الأدب وخصائصه من نثرٍ وشعرٍ، وتحدّي الفنون التي توسّع فيها الأندلسيّون أو اِستحدثوها، مع ترجمةٍ تكشفُ عن مسيرةِ بعضِ أدبائهم وشعرائهم. ولمّا كان أدب أيّ أمّة هو ابن بيئتها، يتأثّر بها ويؤثّر فيها، ويستمدّ عناصر نشأته ووجوده من طبيعة أرضها وأحداث تاريخها وحياة مجتمعها. فقد عرض في مستهلّ هذا الكتاب بجغرافيّة الأندلس، ثم بشيء من التوسّع لتاريخ العرب وحضارتهم فيها.