يظن كثير من الناس أن أغلبية سكان الحبشة من النصارى حتى أن هذا الظن قد وصل إلى مرتبة اليقين. وقد شاع هذا الخطأ وانتشر حتى أصبح لا يحتاج إلى بحث أو نقاش وإنما مجرد ذكر الحبشة يتداعى إلى الذهن أن غالبية السكان من أتباع النصرانية إن لم يكونوا جميعاً رغم أنهم لا يزيدون على الثلث وذلك لأن النصرانية هي دين الدولة الرسمي ولأن الكنيسة هي صاحبة السيطرة والفوة. ولرجالها النفوذ والهيمنة فلا يسمح لصُوْتَ أن يرتفع إلا إذا كان نصرانياً ولا ترضى الكنيسة عن حديث إلا إذا كان حب رغبتها ورأيها. كما أن سيطرة الأقلية النصرانية واستلامها الحكم في القديم والحديث جعل البلاد في عزلة تامة فالحكام يحسون بالقلق. ويشعرون بعدم الاطمئنان ويخافون من الغرباء. يضاف إلى هذا أن طبيعة البلاد. ووجود المرتفعات الشاهقة والأودية السحيقة جعل المواصلات صعبة والانتقال من مكان إلى آخر أمراً عسيراً مما زاد العزلة انعزالاً. والمسلمون هناك محجوبة أخبارهم غامضة عنا أوضاعهم يلاقون أنواعاً من العذاب لا يعلم مدى هوله إلا الجلادون رغم أنهم يقاربون الثلثين. والمسلمون في مشارق الأرض ومغاربها نيام عن مآسي إخوانهم غفل عن أوضاعهم ولو قلنا (نيام) واقتصر الأمر على ذلك لعذرهم المرء قليلاً لفرط جهلهم وسو وضعهم ولكن -لا عذر لهم- فالذين يعرفون أحوالهم ويدركون مصائبهم يمدون يد المساعدة لخصومهم. ويلتمسون منهم الرضا بالزيارة والقربى. وقد أصبحت الأخبار كثيرة والأنباء وفيرة عن أوضاع الحبشة الداخلية بحيث لا تخفى على أحد ولكن لا يذكرها عالم, ولا يتصدى لبحثها كاتبٍ ليتعرف المسلمون على أوضاع إخوانهم فيثير فيهم الحماس ويبعدهمٌ عن الركب الجارف وراء حكامهم أصحاب المصالح والهوى وزعمائهم المستقلين وعلمائهم المتفرقين. وما يسعى إليه هذا البحث هو إلقاء الضوء على أوضاع المسلفين في هذه البلاد. وتبين ما يلاقونه من اضطهاد ليتعرف المسلمون على أحوالهم.